الآلوسي

246

تفسير الآلوسي

ولذا قيل الخشية ملاك الأمر كله ، وحيثما أراد بالخطاب فيما بعد - العلماء منهم ، وحثهم على الإيمان ومراعاة الآيات - أمرهم بالتقوى التي أولها ترك المحظورات وآخرها التبري مما سوى غاية الغايات ، وليس وراء عبادان قرية . * ( وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * * ( وَلاَ تَلْبسوا الحَقَّ با البَاطل ) * هذا النهي مع ما بعده معطوف على مجموع الآية التي قبله وهي قوله تعالى : * ( وآمنوا ) * ( البقرة : 41 ) الخ ، وهذا كما قالوا في قوله تعالى : * ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) * ( الحديد : 3 ) إن مجموع الوصفين الأخيرين بعد اعتبار التعاطف معطوف على مجموع الأولين كذلك ، ويجوز العطف على جملة واحدة من الجمل السابقة إلا أن المناسبة على الأول أشد واللاءمة أتم . واللبس بفتح اللام الخلط ، وفعله لبس من باب ضرب ويكون بمعنى الاشتباه إما بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز : والباء إما للتعدية أو للاستعانة واللام في - الحق والباطل - للعهد أي لا تخلطوا الحق المنزل في التوراة بالباطل الذي اخترعتموه وكتبتموه أولا تجعلوا ذلك ملتبساً مشتبهاً غير واضح لا يدركه الناس بسبب الباطل وذكره ، ولعل الأول أرجح لأنه أظهر وأكثر لا لأن جعل وجود الباطل سبباً للالتباس الحق ليس أولى من العكس لما أنه لما كان المذموم هو التباس الحق بالباطل - وإن لزمه العكس وكان هذا طارئاً على ذلك - استحق الأولوية التي نفيت . * ( وَتكْتُمُوا الحَقَّ ) * مجزوم بالعطف على * ( تلبسوا ) * فالنهي عن كل واحد من الفعلين ، وجوزوا أن يكون منصوباً على إضمار - أن - وهو عند البصريين عطف على مصدر متوهم . وروى الجرمي إن النصب بنفس الواو - وهي عندهم بمعنى مع - وتسمى واو الجمع وواو الصرف لأنها مصروف بها الفعل عن العطف ، والمراد لا يكن منكم لبس الحق على من سمعه وكتمان الحق وإخفاؤه عمن لم يسمعه ، والقصد أن ينعى عليهم سوء فعلهم الذي هو الجمع بين أمرين كل منهما مستقل بالقبح ، ووجوب الانتهاء وطريق واسع إلى الإضلال والإغواء ، وحيث كان التلبيس بالنسبة إلى من سمع ، والكتمان إلى من لم يسمع اندفع السؤال بأن النهي عن الجمع بين شيئين إنما يتحقق إذا أمكن افتراقهما في الجملة وليس - لبس الحق بالباطل مع كتمان الحق كذلك - ضرورة أن لبس الحق بالباطل كتمان له ، وكرر الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عين الأول بل هو نعت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وإما لزيادة تقبيح المنهي عنه إذ في التصريح باسم الحق ما ليس في ضميره ، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ( وتكتمون ) وخرجت على أن الجملة في موضع الحال - أي وأنتم تكتمون ، أو كاتمين - وفي جواز اقتران الحال المصدرة بالمضارع بالواو قولان ، وليس للمانع دليل يعتمد عليه ، وهذه الحال عند بعض المحققين لازمة والتقييد لإفادة التعليل كما في - لا تضرب زيداً وهو أخوك - وعليه يكون المراد بكتمان الحق ما يلزم من لبس الحق بالباطل لا إخفائه عمن لا يسمع ، وجوز أن تكون معطوفة على جملة النهي على مذهب من يرى جواز ذلك - وهو سيبويه وجماعة - ولا يشترط التناسب في عطف الجمل . * ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * جملة حالية ومفعول * ( تعلمون ) * محذوف اقتصاراً - أي وأنتم من ذوي العلم - ولا يناسب من كان عالماً أن يتصف بالحال الذي أنتم عليه ، ولا يبعد أن يكون الحذف للاختصار - أي وأنتم تعلمون أنكم لابسون كاتمون - أو تعلمون صفته صلى الله عليه وسلم أو البعث والجزاء ، والمقصود من تقييد النهي بالعلم زيادة تقبيح حالهم لأن الإقدام على هاتيك الأشياء القبيحة مع العلم بما ذكر أفحش من الإقدام عليها مع الجهل - وليس من يعلم كمن لا يعلم - وجوز ابن عطية أن تكون هذه الجملة معطوفة وإن كانت ثبوتية على ما قبلها من جملة النهي ، وإن لم تكن مناسبة في الإخبار ، وهي عنده شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر النبي